حبيب الله الهاشمي الخوئي

173

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الأرضيّة ، قال : والأوّل أظهر ، لأنّ فحوى الكلام وأدلته يدلّ على أنّه المراد . وقال الشارح البحراني : أراد بطرق السماء وجوه الهداية إلى معرفة سكَّان السماوات من الملاء الأعلى ومراتبهم من حضرة الربوبيّة ومقامات أنبياء اللَّه وخلفائه من حظاير القدس وانتقاش نفسه القدسيّة عنهم بأحوال الفلك ومدبّراتها والأمور الغيبيّة مما يتعلَّق بالفتن والوقايع المستقبلة إذ كان له الاتّصال التّام بتلك المبادى ، فبالحرىّ أن يكون علمه بما هناك أتمّ وأكمل من علمه بطرق الأرض أي إلى منازلها . ثمّ نقل عن الوبرى أنّه قال : أراد أنّ علمه بالدّين أوفر من علمه بالدّنيا . أقول : لا يخفى على المتوقد الذّكى العارف بنكات العبارة وأساليب الكلام من أهل الجودة والذكاء والفطنة أنّ الشراح قصرت أفهامهم عن معرفة مراد الامام وعزب أذهانهم عن فهم مغزى الكلام ، لأنّه عليه السّلام أمرهم بالسؤال قبل فقدانه ، وقبل ظهور فتنة كما هو مفاد قوله الآتي قبل أن تشغر برجلها فتنة ، وعلَّل ذلك بأنه أعلم بطرق السماء منه بطرق الأرض ، وهذا ملخّص معنى كلامه عليه السّلام . فعلى هذا فليس للمعنى الذي حكاه الشارح المعتزلي عن بعضهم ، وكذا المعنى الَّذى نقله البحراني عن الوبرى ربط بالمقام أصلا ولا شيء منهما مرادا من الكلام قطعا . وأمّا المعني الَّذي قاله الشارح المعتزلي فليس بذلك البعد ولكنّه لم يتبيّن منه جهة التعبير عن العلم بمستقبل الأمور بالعلم بطرق السماء كما لم يتبيّن وجه أعلميّته بها أي جهة التفضيل وكونه عليه السّلام أعلم بها من علمه بطرق الأرض . وأمّا ما قاله الشارح البحراني من أنه أراد بطرق السماء وجوه الهداية آه ، ففيه أنّ وجوه الهداية إلى معرفة منازل سكَّان السماوات ومقامات الأنبياء وأحوال الفلك ومدبّراتها لا ربط لها بالمقام ، فكيف يصحّ جعلها علَّة لقوله : سلوني آه . وأما وجه الهداية إلى الأمور الغيبيّة فهو مناسب للمقام إلَّا أنّه قاصر عن تأدية